كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وَقَدْ رَوَيْت قِصَصَ الْمُتَظَاهِرِينَ، وَلَيْسَ فِي ذِكْرِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِمْ ذِكْرٌ لِعَوْدِ الْقول مِنْهُمْ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَعْنَى يَنْقُضُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقول وَزُورٌ، فَكَيْفَ يُقال لَهُ إذَا أَعَدْت الْقول الْمُحَرَّمَ وَالسَّبَبَ الْمَحْظُورَ وَجَبَتْ عَلَيْك الْكَفَّارَةُ، وَهَذَا لَا يُعْقَلُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ سَبَبٍ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِعَادَةُ مِنْ قَتْلٍ وَوَطْءٍ فِي صَوْمٍ وَنَحْوِهِ.
وَأَمَّا قول الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ تَرْكُ الطَّلَاقِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَيَنْقُضُهُ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ أُمَّهَاتٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ قال: {ثُمَّ} وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يَقْتَضِي التَّرَاخِيَ.
الثَّانِي: أَنَّ قوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ} يَقْتَضِي وُجُودَ فِعْلٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَمُرُورُ الزَّمَانِ لَيْسَ بِفِعْلٍ مِنْهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُنَافِي الْبَقَاءَ عَلَى الْمِلْكِ، فَلَمْ يَسْقُطْ حُكْمُ الظِّهَارِ كَالْإِيلَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا رَآهَا كَالْأُمِّ لَمْ يُمْسِكْهَا؛ إذْ لَا يَصِحُّ إمْسَاكُ الْأُمِّ بِالنِّكَاحِ.
وَهَذَا عُمْدَةُ أَهْلِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ.
قُلْنَا: إذَا عَزَمَ عَلَى خِلَافِ مَا قال، وَرَآهَا خِلَافَ الْأُمِّ كَفَّرَ، وَعَادَ إلَى أَهْلِهِ.
وَتَحْقِيقُ هَذَا الْقول أَنَّ الْعَزْمَ قول نَفْسِيٌّ، وَهَذَا رَجُلٌ قال قولا يَقْتَضِي التَّحْلِيلَ، وَهُوَ النِّكَاحُ، وَقال قولا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَهُوَ الظِّهَارُ، ثُمَّ عَادَ لِمَا قال، وَهُوَ قول التَّحْلِيلِ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ابْتِدَاءَ عَقْدٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ بَاقٍ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ قول عَزْمٍ يُخَالِفُ مَا اعْتَقَدَهُ، وَقالهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ الظِّهَارِ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِقولهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَفَّرَ، وَعَادَ إلَى أَهْلِهِ لِقولهِ: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}، وَهَذَا تَفْسِيرٌ بَالِغٌ فِي فَنِّهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ مُحَرَّمٌ، فَلَا أَثَرَ لَهُ فِي مُوَافَقَةِ الْمُحَرَّمِ.
قُلْنَا: هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْزِمُ عَلَى مَا يَجُوزُ لَهُ بِمُحَلَّلٍ، وَهُوَ الْكَفَّارَةُ.
المسألة التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ:
وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَ حَتَّى يُكَفِّرَ، فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ لَمْ تَتَعَدَّدْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَقال مُجَاهِدٌ: عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ.
قُلْنَا: أَمَّا الْكَفَّارَةُ الْوَاحِدَةُ فَقرآنية سُنِّيَّةٌ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَقول بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْإِنْصَافِ، عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً رَوَوْا مِنْهُمْ النَّسَائِيّ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ قَدْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي قَدْ ظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي، فَوَقَعْت عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ.
قال: «مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُك اللَّهُ»، قال: رَأَيْت خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ.
فَقال: «لَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَك اللَّهُ».
المسألة الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ:
إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بَعْدَ الظِّهَارِ، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ لَمْ يَطَأْ حَتَّى يُكَفِّرَ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَبَنَاهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَوْدِ.
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ، فَلَا مَعْنًى لِإِعَادَتِهِ.
المسألة الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ:
إذَا ظَاهَرَ مُوَقِّتًا بِزَمَانٍ.
قال مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ مُؤَبَّدًا.
وَقال الشَّافِعِيُّ: يَلْغُو؛ وَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الظِّهَارِ عُمُومٌ فِي الْمُؤَقَّتِ وَالْمُؤَبَّدِ.
وَإِذَا وَقَعَ التَّحْرِيمُ بِالظِّهَارِ لَمْ يَرْفَعْهُ مُرُورُ الزَّمَانِ، وَإِنَّمَا تَرْفَعُهُ الْكَفَّارَةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ رَافِعَةً لَهُ.
وَقَدْ وَافَقَنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ زَمَانًا مُؤَقَّتًا لَزِمَهُ الطَّلَاقُ عَامًّا، وَلَا انْفِصَالَ لَهُ عَنْهُ.
المسألة الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ:
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذِكْرِ الرَّقَبَةِ، وَأَنَّهَا السَّلِيمَةُ مِنْ الْعُيُوبِ، وَفِي أَنَّهَا الْمُؤْمِنَةُ لَيْسَتْ الْكَافِرَةَ، وَهِيَ:
المسألة الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ:
وَأَنَّهَا مَنْ لَا شَائِبَةَ لِلْحُرِّيَّةِ فِيهَا، كَالْمُكَاتَبَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْجَمِيعِ، وَهِيَ:
المسألة الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ:
وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا تُجْزِي، فَالْمُكَاتَبَةُ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْحُرِّيَّةِ قَدْ ثَبَتَ لَهَا، وَهِيَ مِنْ السَّيِّدِ فِي حُكْمِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَرَجَّحْنَا أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ أَشْبَهُ بِأُمِّ الْوَلَدِ مِنْهَا بِالْأَمَةِ، وَكَذَلِكَ بَيَّنَّا أَنَّهُ لابد مِنْ اعْتِبَارِ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَهِيَ:
المسألة الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ:
عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
المسألة السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ:
اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا هَلْ الْمُعْتَبَرُ فِي الْكَفَّارَةِ حَالُ الْوُجُوبِ أَوْ حَالُ الْأَدَاءِ؟ فَقال الشَّافِعِيُّ: يُعْتَبَرُ حَالُ الْأَدَاءِ فِي أَحَدِ قوليْنِ.
وَقالهُ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قوليْهِ أَيْضًا.
وَالثَّانِي الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْوُجُوبِ.
وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ؛ وَهُوَ قول أَبِي حَنِيفَةَ.
وَظَاهِرُ قول اللَّهِ سبحانه: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قالوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} فِيهِ يَرْتَبِطُ الْوُجُوبُ بِالْعَوْدِ، وَفِيهِ يَرْتَبِطُ كَيْفَمَا كَانَتْ حَالَةُ الِارْتِبَاطِ، بَيْدَ أَنَّهُ لِلْمَسْأَلَةِ حَرْفٌ جَرَى فِي أَلْسِنَةِ عُلَمَائِنَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَهُوَ مَقْصُودُ الْمَسْأَلَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْكَفَّارَةِ صِفَةُ الْعِبَادَةِ أَوْ صِفَةُ الْعُقُوبَةِ.
وَالشَّافِعِيُّ اعْتَبَرَ صِفَةَ الْعُقُوبَةِ؛ وَنَحْنُ اعْتَبَرْنَا صِفَةَ الْقُرْبَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ؛ فَإِذَا كَانَ الْمُعْتَبَرُ صِفَةَ الْقُرْبَةِ فَالْقُرْبُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي حَالِ الْإِجْزَاءِ خَاصَّةً بِحَالِ الْأَدَاءِ كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، وَاَلَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ حَالَةُ الْوُجُوبِ هِيَ الْحُدُودُ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ قَائِمًا، ثُمَّ عَجَزَ فَقَعَدَ فِيهَا فَهَذَا مِنْ الْمُغَايِرِ لِلْقُرْبَةِ فِي الْهَيْئَاتِ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ وَالصَّوْمِ فَإِنَّهُمَا جِنْسَانِ، وَعَلَيْهِ عَوَّلَ أَبُو الْمَعَالِي.
قُلْنَا: إنْ كَانَ الْعِتْقُ وَالصَّوْمُ جِنْسَيْنِ فَإِنَّ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ ضِدَّانِ، فَالْخُرُوجُ مِنْ جِنْسٍ إلَى جِنْسٍ أَقْرَبُ مِنْ الْعُدُولِ مِنْ ضِدٍّ إلَى ضِدٍّ.
فَإِنْ قِيلَ: الطَّهَارَةُ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا تُرَادُ لِلصَّلَاةِ؛ فَاعْتُبِرَ حَالُ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِيهَا.
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَةُ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا تُرَادُ لِحِلِّ الْمَسِيسِ؛ فَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى الْمَسِيسِ اُعْتُبِرَتْ الْحَالَةُ الْمَذْكُورَةُ فِيهَا.
المسألة السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ:
قَدْ بَيَّنَّا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْوَسَطُ مِنْ الْإِطْعَامِ، وَهُوَ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
وَقال مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: مُدٌّ بِمُدِّ هِشَامٍ، وَهُوَ الشِّبَعُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى أَطْلَقَ الطَّعَامَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْوَسَطَ.
وَقال فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ: مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
قِيلَ لَهُ: أَلَمْ تَكُنْ قُلْت: مُدُّ هِشَامٍ، قال: بَلَى، وَمُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَحَبُّ إلَيَّ.
وَكَذَلِكَ قال عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا.
وَمُدُّ هِشَامٍ هُوَ مُدَّانِ غَيْرُ ثُلُثٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
قال أَشْهَبُ: قُلْت لَهُ: أَيَخْتَلِفُ الشِّبَعُ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ؟ قال: نَعَمْ.
الشِّبَعُ عِنْدَنَا مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالشِّبَعُ عِنْدَكُمْ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَعَا لَنَا بِالْبَرَكَةِ دُونَكُمْ، وَأَنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَكْثَرَ مِمَّا نَأْكُلُ نَحْنُ، وَهَذَا بَيِّنٌ جِدًّا.
قال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَقَعَ الْكَلَامُ هَاهُنَا كَمَا تَرَوْنَ فِي مُدِّ هِشَامٍ، وَدِدْت أَنْ يُهَشِّمَ الزَّمَانُ ذِكْرَهُ، وَيَمْحُوَ مِنْ الْكُتُبِ رَسْمَهُ؛ فَإِنَّ الْمَدِينَةَ الَّتِي نَزَلَ الْوَحْيُ بِهَا، وَاسْتَقَرَّ بِهَا الرَّسُولُ، وَوَقَعَ عِنْدَهُمْ الظِّهَارُ وَقِيلَ لَهُمْ فِيهِ: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} فَهِمُوهُ وَعَرَفُوا الْمُرَادَ بِهِ، وَأَنَّهُ الشِّبَعُ، وَقَدْرُهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ مُتَقَدِّرٌ لَدَيْهِمْ، فَقَدْ كَانُوا يَجُوعُونَ لِحَاجَةٍ وَيَشْبَعُونَ بِسُنَّةٍ لَا بِشَهْوَةٍ وَمَجَاعَةٍ، وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الشِّبَعِ فِي الْأَخْبَارِ كَثِيرًا، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذِهِ فِي الْأَنْوَارِ، وَاسْتَمَرَّتْ الْحَالُ عَلَى ذَلِكَ أَيَّامَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، حَتَّى نَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِ هِشَامٍ، فَرَأَى مُدَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَا يُشْبِعُهُ، وَلَا مِثْلَهُ مِنْ حَاشِيهِ وَنُظَرَائِهِ، فَسَوَّلَ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مُدًّا يَكُونُ فِيهِ شِبَعُهُ، فَجَعَلَهُ رَطْلَيْنِ، وَحَمَلَ النَّاسَ عَلَيْهِ، فَإِذَا ابْتَلَّ عَادَ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ، فَغَيَّرَ السُّنَّةَ، وَأَذْهَبَ مَحَلَّ الْبَرَكَةِ.
قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حِينَ دَعَا رَبَّهُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْبَرَكَةِ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ: مِثْلَ مَا بَارَكَ لِإِبْرَاهِيمَ بِمَكَّةَ.
فَكَانَتْ الْبَرَكَةُ تَجْرِي بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي مُدِّهِ، فَسَعَى الشَّيْطَانُ فِي تَغْيِيرِ هَذِهِ السُّنَّةِ وَإِذْهَابِ الْبَرَكَةِ، فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ فِي ذَلِكَ إلَّا هِشَامٌ، فَكَانَ مِنْ حَقِّ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُلْغُوا ذِكْرَهُ، وَيَمْحُوا رَسْمَهُ، وَإِذَا لَمْ يُغَيِّرُوا أَمْرَهُ، وَأَمَّا أَنْ يُحِيلُوا عَلَى ذِكْرِهِ فِي الْأَحْكَامِ، وَيَجْعَلُوهُ تَفْسِيرًا لِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُفَسِّرًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ فَخَطْبٌ جَسِيمٌ؛ وَلِذَلِكَ كَانَتْ رِوَايَةُ أَشْهَبَ فِي ذِكْرِ مُدَّيْنِ بِمُدِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَحَبَّ إلَيْنَا مِنْ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهَا بِمُدِّ هِشَامٍ.
أَلَا تَرَى كَيْفَ نَبَّهَ مَالِكٌ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ بِقولهِ لِأَشْهَبَ: الشِّبَعُ عِنْدَنَا بِمُدِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالشِّبَعُ عِنْدَكُمْ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَعَا لَنَا بِالْبَرَكَةِ، وَبِهَذَا أَقول؛ فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ إذَا أُدِّيَتْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي الْبَدَنِ كَانَ أَسْرَعَ لِلْقَبُولِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَالِ كَانَ قَلِيلُهَا أَثْقَلَ فِي الْمِيزَانِ، وَأَبْرَكَ فِي يَدِ الْآخِذِ، وَأَطْيَبَ فِي شِدْقِهِ، وَأَقَلَّ آفَةً فِي بَطْنِهِ، وَأَكْثَرَ إقَامَةً لِصُلْبِهِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ.
المسألة الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ:
قولهُ: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} يَقْتَضِي أَنَّ الْوَطْءَ لِلزَّوْجَةِ فِي لَيْلِ صَوْمِ الظِّهَارِ يُبْطِلُ الْكَفَّارَةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سبحانه شَرَطَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِعْلَهَا قَبْلِ التَّمَاسِّ.
وَقال الشَّافِعِيُّ: إنَّمَا يَكُونُ شَرْطُ الْمَسِيسِ فِي الْوَطْءِ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ.
قال: لِأَنَّ اللَّهَ تعالى أَوْجَبَ الصَّوْمَ قَبْلَ التَّمَاسِّ، فَإِذَا وَطِئَ فِيهِ فَقَدْ تَعَذَّرَ كَوْنُهُ قَبْلَهُ، فَإِذَا أَتَمَّهَا كَانَ بَعْضُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَهُ، وَإِذَا اسْتَأْنَفَهَا كَانَ الْوَطْءُ قَبْلَ جَمِيعِهَا، وَامْتِثَالُ الْأَمْرِ فِي بَعْضِهَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ فِي جَمِيعِهَا.
قُلْنَا: هَذَا كَلَامُ مَنْ لَمْ يُذَقْ طَعْمَ الْفِقْهِ؛ فَإِنَّ الْوَطْءَ الْوَاقِعَ فِي خِلَالِ الصَّوْمِ لَيْسَ بِالْمُحَلِّ الْمَأْذُونِ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَطْءُ تَعَدٍّ، فلابد مِنْ الِامْتِثَالِ لِلْأَمْرِ بِصَوْمٍ لَا يَكُونُ فِي أَثْنَائِهِ وَطْءٌ.
المسألة التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ:
مِنْ غَرِيبِ الْأَمْرِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قال: الْحَجْرُ عَلَى الْحُرِّ بَاطِلٌ، وَاحْتَجَّ بِقولهِ تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ السَّفِيهِ وَالرَّشِيدِ.
وَهَذَا فِقْهٌ ضَعِيفٌ لَا يُنَاسِبُ قَدْرَهُ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ، وَقَدْ كَانَ الْقَضَاءُ بِالْحَجْرِ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاشِيًا، وَالنَّظَرُ يَقْتَضِيهِ.
وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ حَجْرٌ لِصِغَرٍ أَوْ لِوِلَايَةٍ، وَبَلَغَ سَفِيهًا قَدْ نُهِيَ عَنْ دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ فَكَيْفَ يَنْفُذُ فِعْلُهُ فِيهِ؟ وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ.
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ.
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنْ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوك حَيَّوْك بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقولونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقول حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.
لَا خِلَافَ بَيْنَ النَّقَلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ الْيَهُودُ، كَانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيَقولونَ: السَّامُ عَلَيْك؛ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ السَّلَامَ ظَاهِرًا، وَهُمْ يَعْنُونَ الْمَوْتَ بَاطِنًا، فَيَقول النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكُمْ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَعَلَيْكُمْ بِالْوَاوِ، وَهِيَ مُشْكِلَةٌ.